فصل: تفسير الآيات (172- 174):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النكت والعيون المشهور بـ «تفسير الماوردي»



.تفسير الآية رقم (171):

{وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)}
قوله عز وجل: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: زعزعناه، قاله ابن قتيبة، ومنه قول العجاج:
قد جرّبوا أخلاقنا الجلائلا ** ونتقوا أحلامنا الأثاقلا

والثاني: بمعنى جذبناه، والنتق: الجذب ومنه قيل للمرأة الولود ناتق، قال النابغة:
لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ** طفحت عليك بناتقٍ مذكار.

واختلف في سبب تسميتها ناتقاً، فقيل لأن: خروج أولادها بمنزلة الجذب. وقيل: لأنها تجذب ماء الفحل تؤديه ولداً.
والثالث: معناه ورفعناه عليهم من أصله.
قال الفراء: رفع الجبل على عسكرهم فرسخاً في فرسخ.
قال مجاهد: وسبب رفع الجبل عليهم أنهم أبوا أن يقبلوا فرائض التوراة لما فيها من المشقة، فوعظهم موسى فلم يقبلوا، فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن أخذتموه بجد واجتهاد وإلا ألقي عليكم. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: فأخذوه بقوة ثم نكثوا بعد.
واختلف في سبب رفع الجبل عليهم هل كان انتقاماً منهم أو إنعاماً عليهم؟ على قولين:
أحدهما: أنه كان انتقاماً بالخوف الذي دخل عليهم.
والثاني: كان إنعاماً لإقلاعهم به عن المعصية.
{وَظّنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} فيه قولان:
أحدهما: أنه غلب في نفوسهم انه واقع بهم على حقيقة الظن.
والثاني: أنهم تيقنوه لما عاينوا من ارتفاعه عليهم، قاله الحسن.
{خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَاكُمْ} يعني التوارة.
{بِقُوَّةٍ} يحتمل وجهين:
أحدهما: بجد واجتهاد.
والثاني: بنية صادقة وطاعة خالصة.

.تفسير الآيات (172- 174):

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)}
قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمْ} أُختلف في الذين أخرجهم وأخذ ذلك عليهم على قولين:
أحدهما: أنه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد وجعل فيها من المعرفة ما علمت به من خاطبها. واختلف من قال بهذا هل كان ذلك قبل نزوله إلى الأرض على قولين:
أحدهما: أنه كان في الجنة قبل هبوطه إلى الأرض.
والثاني: أنه فعل ذلك بعد هبوطه إليها.
والقول الثاني: في الأصل أنه خلق الأرواح والأجساد معاً وذلك في الأرض عند جميع من قال بهذا التأويل.
فعلى هذا فيه قولان:
أحدهما: أنه أخرجهم كالذر وألهمهم هذا فقالوه، قال الكلبي ومقاتل: وذلك أن الله مسح ظهر آدم بين مكة والطائف فخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية كالذر بيض، فهم أصحاب الميمنة. وخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية كالذر سود، فهم أصحاب المشأمة، فلما شهدوا على أنفسهم جميعاً من آمن منهم ومن كفر أعادهم.
والثاني: أنه أخرج الذرية قرناً بعد قرن وعصراً بعد عصر.
وفي {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} قولان:
أحدهما: هو أنه دلهم على أنفسهم بما شهدوه من قدرته، قاله بعض المتكلمين.
والثاني: هو إشهادهم على أنفسهم بما اعترفوا من ربوبيته ووحدانيته. وفيه على التأويل قولان:
أحدهما: أنه قال ذلك للآباء من بني آدم حين أخرج من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ليعلمهم أنه خلق ذرياتهم بعد أن لم يكونوا كان هو الخالق لهم لأنهم كانوا ذرية مثلهم لمن تقدمهم كما صار هؤلاء ذرية لهم فاعترفوا بذلك حين ظهرت لهم الحجة، قاله ابن بحر.
والقول الثاني: أنه قال ذلك للذرية حين أخذهم من ظهور آبائهم، وهذا قول الأكثرين فعلى هذا فيه قولان:
أحدهما: أنه قال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} على لسان الأنبياء بعد أن كملت عقولهم.
والثاني: أنه جعل لهم عقولاً علموا بها ذلك فشهدوا به على أنفسهم. وفي أصل الذرية قولان:
أحدهما: لأنهم يخرجون من الأصلاب كالذر.
والثاني: أنه مأخوذ من ذَرَأ الله الخلق إذا أحدثهم وأظهرهم.

.تفسير الآيات (175- 177):

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}
قوله عز وجل: {وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ اْلَّذِيّ ءاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فانَسَلَخَ مِنْهَا} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه بلعام بن عوراء، واختلفوا فيه فقيل كان من اليمن، وقيل كان من الكنعانيين، وقيل من بني صال بن لوط، قاله ابن عباس، وابن مسعود.
والثاني: أنه أمية بن أبي الصلت الثقفي، قاله عبد الله بن عمرو.
والثالث: أنه من أسلم من اليهود والنصارى ونافق، قاله عكرمة.
وفي الآيات التي أوتيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه اسم الله الأعظم الذي تجاب به الدعوات، قاله السدي وابن زيد.
والثاني: أنها كتاب من كتب الله. قاله ابن عباس.
والثالث: أنه أوتي النبوة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه، قاله مجاهد، وهو غير صحيح لأن الله لا يصطفي لنبوته إلا من يعلم أن لا يخرج عن طاعته إلى معصيته.
وفي قوله: {فَانسَلَخَ مِنهَا} وجهان:
أحدهما: فانسلخ من العلم بها لأنه سيسلب ما أوتي منها بالمعصية.
والثاني: أنه انسلخ منها أي من الطاعة بالمعصية مع بقاء علمه بالآيات حتى حكي أن بلعام رُيثي على أن يدعو على قوم موسى بالهلاك فسها فدعا على قومه فهلكوا.
{فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الشيطان صيره لنفسه تابعاً بإجابته له حين أغواه.
والثاني: أن الشيطان متبع من الإنس على ضلالته من الكفر.
والثالث: أن الشيطان لحقه فأغواه، يقال اتبعت القوم إذا لحقتهم، وتبعتهم إذا سرت خلفهم، قاله ابن قتيبة.
{فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} فيه وجهان:
أحدهما: من الهالكين.
الثاني: من الضالين.
قوله عز وجل: {وَلَو شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} فيه وجهان:
أحدهما: يعني لأمتناه فلم يكفر.
والثاني: لحلنا بينه وبين الكفر فيصير إلى المنزلة المرفوعة معصوماً، قاله مجاهد.
{وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} أي ركن إليها. وفي ركونه إليها وجهان:
أحدهما: أنه ركن إلى أهلها في استنزالهم له ومخادعتهم إياه.
والثاني: أنه ركن إلى شهوات الأرض فشغلته عن طاعة الله، وقد بين ذلك قوله تعالى: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}.
ثم ضرب مثله بالكلب {إِن تَحْمِْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} وفي تشبيهه بالكلب اللاهث وجهان:
أحدهما: لدناءته ومهانته.
الثاني: لأن لهث الكلب ليس بنافع له.

.تفسير الآيات (178- 179):

{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)}
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ}، {ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} أي خلقنا ممن يصير إلى جهنم بكفره ومعصيته.
و{كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} فيه قولان:
أحدهما: أراد أولاد الزنى لأنهم من النطف الخبيثة مخلوقين، فهم أكثر الناس إسراعاً إلى الكفر والمعصية فيصيرون جامعين بين سوء المعتقد وخبث المولد.
والقول الثاني: أنه على العموم في أولاد الزنى والرِشدة فيمن ولد من نكاح أو سفاح لأنهم مؤاخذون على أفعالهم لا على مواليدهم التي خبثت بأفعال غيرهم.
{لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} الحق.
{وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} الرشد.
{وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} الوعظ، فصاروا بترك استعمالها بمثابة من عَدِمها، قال مسكين الدرامي:
أعمى إذا ما جارتي خرجت ** حتى يُواري جارتي الجدر

وأصم عما كان بينهما ** سمعي وما في سمعي الوقر

.تفسير الآية رقم (180):

{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)}
قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ الأَسْمآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} قال ابن عباس: كل أسمائه حسنى وفي المراد بالحسنى ها هنا وجهان:
أحدهما: ما مالت إليه القلوب من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنقمة.
والثاني: أسماؤه التي يستحقها لنفسه ولفعله ومنها صفات هي طريقة المعرفة به، وهي تسعة:
القديم الأول قبل كل شيء. والباقي بعد فناء كل شيء. والقادر الذي لا يعجزه شيء والعالم الذي لا يخفى عليه شيء. والحي الذي لا يموت. والواحد الذي ليس كمثله شيء والسميع البصير الذي لا يعزب عنه شيء والغني بنفسه عن كل شيء.
وفي دعائه بها وجهان:
أحدهما: نداؤه بها عند الرغبة إليه في الدعاء والطلب.
والثاني: تعظيمه بها تعبداً له بذكرها.
{وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: معناه يكذبون، قاله ابن عباس.
والثاني: يشركون، قاله قتادة.
والثالث: يحوّرون، قاله الأخفش.
وفي إلحادهم فيها قولان:
أحدهما: اشتقاقهم آلهتهم من أسماء الله، كما سموا بعضها باللات اشتقاقاً من الله، وبعضها بالعزى اشتقاقاً من العزيز، قاله ابن عباس، ومجاهد.
والثاني: تسميتهم الأوثان آلهة والله عز وجل أبا المسيح وعزير.

.تفسير الآية رقم (181):

{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)}
قوله عز وجل: {وَمِمَّنْ خَلَقَنْآ أُمَّةٌ يَهُدُونَ بِالْحَقِّ} فيهم قولان:
أحدهما: العلماء.
والثاني: أنهم هذه الأمة. روى ذلك قتادة، وابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم.